وكيف
تلذ طعم العيش نفسٌ ** غدت أترابها تحت الثرى
لا شك أن توالي رحيل أقران المرء الواحد منهم
تِلوَ الآخر مُحزن جداً، ومؤثر في النفوس..، وأنه لا بقاء بعدهم مهما تطاول بهم
الزمن، وهذه من سُنَنِ الله في خلقه..، قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز
(كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) سورة القصص آية (88).
فبينما كنت منسجما ومستمتعاً بمشاهدة أفواج الجموع
الغفيرة من حجاج بيت الله على صعيد عرفات الطاهر في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة
عام 1436هـ مُلبين ومُكبرين متساوين في ارتداء حلل الإحرام، فإذا بمؤشرات الجوال
تحمل نبأ رحيل رفيق الطفولة والصّبا الشيخ الحبيب عبدالعزيز بن فلاح بن عبدالعزيز
الغدير، زميل الدراسة بالكتَّاب لتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم لدى
المقرئ "المطوع" الشيخ الفاضل محمد بن فهد المقرن ـ رحمهما الله ـ بمسجد
حي الشهواني وبالأرض الفضاء الواقعة شرقي المسجد، وجلوسنا على تلك الأرض وكبارنا
على المراكي الطينية يتوسطهم المقرئ مُوزعاً نظراته نحونا ليشد انتباهنا للاستمرار
في القراءة مع التسميع لمن يحفظ الآيات
والسور، ثم يأمر بغسل الألواح لمن يُتْقِن الحفظ لأجل أن نكتب آيات من جديد
وهكذا..، وقد جمعت هذه الطريقة بين تحسين الخطوط وحفظ كلام الله..، والحقيقة أننا
قد قضينا في تلك الفترة الزمنية البعيدة أحلى أيام العمر وأنفعها..، مع أجمل
الذكريات.
ويا ظل الشباب وكنت تندى ** على
أفياء سَرْحَتِكَ السَّلام
ولقد حزنت على غياب ذاك الرجل هادئ الطبع الذي قضى
أيام حياته كلها في عبادة الله وحدة جل ثناؤه، معرضاً عن مساوئ الناس، ومحبوباً
لدى أقرانه ومجتمعه.
ولقد ولد
في مدينة حريملاء، وعاش في أكنافها برعاية الله وحفظه، وبين أحضان والديه في هناء
ومسرة، ومع أقرانه ورفقائه، ولما اشتد ساعده رحل إلى مدينة الرياض للأخذ بأسباب
طلب المعيشة، ثم بدأ يشتري قطعاً صغيرة من الأراضي بأثمان زهيدة مُؤجلة القيمة حتى
يتوفر ثمنها لثقة أصحاب العقارات به، فهو معروف بالصدق والوفاء، ثم يقيم منازلاً
عليها شعبية صغيرة بالطين بعمل يده وبالتعاون مع بعض أصدقائه، ومعارفه ثم يبيعها،
وهكذا، حتى تحسنت حاله المادية، فعاش حياة كفاف ويسر وعافية، فهو رجل عفيف عصامي
غير معول على أحد مستحضراً دوماً قول الشاعر القطامي:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ** من
لا يعول في الدنيا على "أحد"
بعد ذلك عُيّن مؤذناً بمصلى الرئاسة العامة لتعليم
البنات زَمَنَ تَرَبٌّع معالي الشيخ ناصر بن حمد الراشد على رئاستها وتصريف أمورها
بكل حزم وأمانة..، ـ رحمهما الله ـ كما أن
له مكانة خاصة لدى الشيخ ناصر لما يتصف به من نصح وصدق ونفع للآخرين، فهو مقبول
الشفاعة والتعريف حينما يُطلب منه التوسط لدى الشيخ الرئيس لأجل العمل..، فشفاعته
لا تُرد لثقته التامة به، لأن الشيخ لا يقبل إلا من تتوفر في الخصال الحميدة
والأمانة، وخاصة سائقي "باصات" نقل الطالبات وحراس أبواب المدارس لغيرته
على صيانتهن، والابتعاد عما يشين سمعتهن..، فاستمر أبو عبدالله مؤذناً حتى تقاعد،
تاركاً سمعة طيبة وذكراً حسناً.
وذكرياتنا الجميلة مع (ابو عبدالله) رغم تقادم
الزمن باقية وساكنة في خواطرنا مدى العمر..، كما لا ننسى تجمّله ومرونة والده فلاح
بن عبدالعزيز الغدير ـ رحمه الله ـ في بيعنا قطعة أرض من ملكه بحريملاء عندما علم
أننا نريدها تكملة لتوسعة أرض مسجد والدتنا بحي العزيزية الذي بني من خالص مالها
عام 1390هـ (رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها عالي الجنان).
ولنا مع
زميلنا ذكريات طويلة المدى، لا يتسع المجال لذكرها وسردها..، رحمه الله وأسكنه
فسيح جناته، وألهم ذويه وشقيقه الأستاذ إبراهيم وشقيقته وابنه الأستاذ عبدالله
وابنتيه الكريمتين وعقيلته ام عبدالله وأسرة آل خنيزان الكرام أخوال ابنائه الصبر
والسلوان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق